باب مغلق، نافذة مفتوحة

يعتاد القراء المخضرمون حظي الغريب مع الأشياء..

كففت عن الإيمان بالمصادفات منذ زمن، مواقف الحياة هي مجرد قطع بازل متناهية الصغر تحتاج لبعض التأمل لا أكثر لكي تتراص..

ومن أهم ما أتأمل به في الفترة الحالية -من وحي الظروف- هو علاقتي المنتهية بالطب..

 منذ يومين تسلمت آخر ورقة تؤكد -على استحياء- أني قد أتممت فترة الامتياز، سنة أخرى لتكتمل السبع العجاف اللازمات لحصولي على ترخيص مزاولة المهنة وكارنيه النقابة..

 القريبون مني يعرفون أني أعمل منذ أن كنت في السنة الرابعة في الكلية بشكل جزئي.. والأقرب يعرفون أني اخترت قضاء سنة الامتياز في مستشفى عَفِنة من مستشفيات وزارة الصحة حتى يتسنى لي الحضور يوم واحد فقط في الأسبوع لكي يتوافق ذلك مع عملي الذي صار بوقت دائم full-time..

وبما أني قد تعبت فعلاً من حكاية قصة حياتي في كل مرة أُسأل فيها السؤالين معًا: “انتي خريجة إيه وبتشتغلي إيه؟” فقد قررت أن أكتب إجابة نموذجية أعطيها لأي شخص:

- يسأل عن موقفي.

- يستغرب موقفي.

- لا يصدق أن هناك من ترك الطب بعد هذه السنوات وعمل بشيء آخر.

سأضع الموضوع على هيئة نقاط لكي تتيسر القراءة والقفز ما بين السطور لسُرَّاع الملل:

احم احم..

- أنا داليا إيهاب يونس، عمري ربع قرن، مكتوب كتابي وأحاول الزواج يومًا ما.

- كنت طالبة متفوقة في المدرسة، وحصلت على مجموع يؤهلني لدخول كلية الطب (وكان أقل مجموع يتيح ذلك وقتها.. أي أني دخلت وأغلقت الباب ورائي حرفيًا).

- جلب ذلك على رأسي الوبال.

- رسبت في مادة أول سنة وكانت تلك صدمة عمري، ومع ذلك نجحت في الملحق (نحن من الكليات النادرة التي تطبق نظام الثانوية بحذافيره، بدءًا من عدم تقسيم المناهج وحتى الملاحق).

- كانت ذلك نقطة تحول مهمة في حياتي، إذ أني عرفت أن هذا المجال ليس مجالي.

- رغم نجاحي في الملحق رسبت في إقناع أهلي بالتحويل من الكلية، على وعد منهم -وهما طبيبان- بأن الأمور تتحسن كلما تقادمت بك السنون في الكلية.

- مضت السنة الثانية وحصلت على تقدير “جيد”.

- مضت السنة الثالثة وحصلت على تقدير “جيد”.

- مضت السنة الرابعة وحصلت على تقدير “جيد”.

- مضت السنة الخامسة وحصلت على تقدير “جيد”.

- مضت السنة السادسة وحصلت على تقدير “مقبول”.. بمعجزة من السماء.

- ورغم ذلك ظل تقديري العام أو للدقة التراكمي “جيد”.

- طبعًا هذا بالنسبة لتلميذة نجيبة مجتهدة غير جيد.

- فتّشت عن ذاتي العملية منذ السنة الرابعة، عملت في مشاريع مؤقتة بالترجمة والتدريس والكتابة وتصميم المواقع وكل شيء يمكن أن تتخيله في سبيل ذلك.

- وجدت أن العامل المشترك الذي استهواني في كل تلك الوظائف والشيء الذي أستمتع به حقًا هو العمل الإبداعي creative work.

- وجدت شركة استشارات إعلانية وتسويقية في المجال الصحي تطلب كتابًا.

- لم يصدق مديري -وقت المقابلة الشخصية أو الـinterview- أن واحدة قد درست الطب تريد أن تضع هذا على جنب وتعمل كاتبة، ولكني قلت له جملة صادقة أقنعته بقبول المخاطرة.

- كانت تلك الجملة الصادقة: حضرتك أنا علشان استخسرت مجموعي في الثانوية العامة اتحكم عليا أقضي 7 سنين من عمري في دراسة مبحبهاش، لو استخسرت السبع سنين دول كمان هيتحكم عليا أقضي حياتي في كارير مبحبوش! وأنا للأسف مبعرفش أحب اللي بشتغله.. اديني فرصة أشتغل الحاجة اللي بحبها.

- بعد سبع سنوات من المرار والنظرة الدونية من السادة الزملاء والأطباء في الكلية، مَنّ الله عليّ بوظيفة في مكان محترم مع أشخاص يقدرونني وأقدرهم.

- الآن قد مر عليّ سنة ونصف من الخبرة العملية (بالإضافة لخبرات متقطعة منذ أربع سنوات)، وزملائي الذين كانوا ينظرون إليّ على أني الفاشلة المستهترة في الكلية يفكرون كيف سيبدأون الطريق.

- بلا شهادة يمكن أن يعملوا بها في مكان آدمي، بلا مزايا احترافية (لغات زائدة، معرفة متقدمة بالكمبيوتر..الخ)، بلا خبرة سوى بما ادعوا أنهم تعلموه في سنة الامتياز إلا من رحم ربي.

- وهو ادعاء لأنه لا يوفر وظيفة تفتح بيتًا إلا لو قررت أن تتحول لنموذج طبيب العشوائيات الذي هو أقرب لحلاق الصحة منه إلى مهنة الطب.

- حتى يمكن لخريج الطب من دفعتي أن يعمل في وظيفة لائقة يجب عليه أن ينتظر للماجستير أو على الأقل الجزء الأول منه (الماسجتير الطبي على جزئين ورسالة).. وهذا على الخريطة الزمنية يساوي ثلاث سنوات أخرى من الآن.

- في تلك الفترة، عليه أن يخضع لمزيد من المعاملة المهينة في مستشفيات الجامعة حتى “يتعلم” في “أفضل مكان للتعليم”.

- وما الذي يجعله يتحمل كل هذا؟ أنه “يريد” أن يصبح طبيبًا.

- وهو الشغف الذي لا أملكه للأسف لكي يكون زاد الرحلة الطويلة.

إذن، خلاصة موقفي هو أني مع كامل احترامي لمهنة الطب والممتهنين بها (رغم أن لدي تحفظات كثيرة على التغيرات التي تلحق بشخصيتهم جراء تلك الضغوط التي لا تنتهي) ودعمي لحقوقهم -ككل المجتهدين المهضوم حقهم في هذا البلد- في العيش الكريم والمعاملة اللائقة، إلا أني لا أملك حماسًا كافيًا لكي أصبح طبيبة.. والحماس/الشغف/الاهتمام هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل أي شخص يصبر على معاناة الطبيب المصري.

حين يغلق الرب بابًا، فإنه في مكان ما يفتح نافذة..

وأنا إذ منّ الله عليّ بنافذة ارتضيتها وحمدته عليها، فقد شعرت أنه من واجبي أن ألفت انتباه كل من مر بظروف “مجموع عالي-كلية قمة-مجال مبحبوش” أنك لست وحدك في هذا العالم، وأن الحياة كما تقول الصورة في الأعلى تعتمد على انتهازك للفرص وإلا ستظل للأبد بلا تغيير..

وعليه، فقد قررت إنشاء جروب -وليس صفحة- على الفايسبوك لكي تضم كل من درس الطب وامتهن مهنة أخرى (تجدون رابطه على صفحتي على الفايسبوك).. والغرض الأساسي منه هو إشعار الأطباء الذين حذوا حذوي أنهم ليسوا وحدهم وأنهم ليسوا كائنات فضائية كما يحاول المجتمع أن يشعرهم.. وكما يقول منير: كل المفروض مرفوض.. اثبت للعالم إنك موجود..

سأسميه “باب مغلق، نافذة مفتوحة”..

لعلي أدخل بعض الشمس في حجرة نفس باردة..

اترك تعليقًا ?

5 تعليقات.

  1. هبة نصير

    والله هذه تجربة جديرة يلآحترام والتقدير وأنت كما عهدتك دائماً مثال الأصرار والأرادة القوية ابنتي الاء تحذو حذوك وتتخذك مثلا اعلى لها ولها كل الحق يارب أشوفها مثلك يا أحب الناس إلى قلبي

  2. أستاذة هبة:
    أتمنى أن يكون إلهامي لآلاء العزيزة -التي أرى فيها جزءًا كبيرًأ من ذاتي في ذات السن- هو نوع من رد جميل حضرتك عليّ.. من كان يصدق أن الهواية التي كنتِ مشجعتي الوحيدة عليها في المدرسة (رغم معاندة الكل والظروف) صارت مصدر رزقي الآن؟

    جعل الله المعروف دُولة بيننا دائمًا :)

  3. أسامه أبوحجر

    السلام عليكم … تقبلي تحياتي وأتمني أن تسلكي مجال الكتابه …لأني أري أسلوبك في الكتابه مشوق وجذاب وأري أنك موهوبه… يا دكتوره داليا

  4. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وشكرًا جزيلاً يا أسامة.. وهذا ما فعلته فعلاً :)

  5. نورا مهاب

    فعلا يا داليا عمري ما شفتك بتبتسمي او تضحكي لما كنت بشوفك صدفه في الكليه زي الصور اللي بشوفهالك دلوقتي ربنا معاكي :)

اترك تعليقًا


NOTE - You can use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>